اسماعيل بن محمد القونوي
59
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
دلالة فيها على ذلك فقد كابر وبعد عن فهم المرام كما هو عادته في أكثر المقام . قوله : ( علة للجعل والمعنى وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً [ الفرقان : 20 ] لنعلم أيكم يصبر ونظيره قوله تعالى : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ هود : 7 ] ) علة للجعل أي واقع موقع العلة كما أشار إليه بقوله والمعنى وجعلنا الخ بقرينة ذكره بعد ذكر الفتنة بمعنى الابتلاء فجملة الاستفهام معمولة للعلم المقدر المعلق عنها كما قال لنعلم أيكم يصبر ونظيره قوله تعالى : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ هود : 7 ] أشار به إلى أن أتصبرون واقع بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله تعالى : أَيُّكُمْ [ هود : 7 ] الآية وحاصل المعنى لنعلم بالتعلق الحادث أيكم يصبر بعد وجود الصبر منكم موافقا لعلمنا بالتعلق القديم أيكم يصبر قبل وجود الصبر بمعنى أنه سيوجد فلا وجه لما قيل أي ليظهر لكم ما في علمنا وغرضه من التنظير بالآية المذكورة التنبيه على أن الفتنة لكونها بمعنى الابتلاء تدل على إرادة العلم فإن المقصود من الابتلاء أي الامتحان العلم كما نبهنا عليه إلا أن العلم مضمن في تلك الآية وما نحن فيه مقدر فالتشبيه ليس من كل وجه لأن التشبيه لا يقتضيه . قوله : ( أو حث على الصبر على ما افتتنوا به ) عطف على قوله علة فالاستفهام حينئذ للترغيب بواسطة أن الاستفهام للتقرير بمعنى التحقيق والتثبيت « 1 » فلا يقدر العلم إذ الفتنة أمارة على إرادة العلم لا دليل قطعي وفي بعض النسخ وقع أوجب عليهم الصبر بدل أو حث فحينئذ يكون من تتمة ما قبله فعلى الأول منقطع عما قبله كما عرفته فعلى هذا أتصبرون بمعنى اصبروا بمعنى الإيجاب ولا يخفى أن هذا لا يلائم قوله لنعلم أيكم يصبر فالنسخة المعول عليها أو حث بالحاء المهملة والثاء المثلثة ولفظة أو حرف عطف قوله افتتنوا بصيغة المجهول أي أوذوا به فالفتنة هنا ليست بمعنى « 2 » ما في النظم . قوله : ( بمن يصبر أو بالصواب فيما يبتلى به وغيره ) بمن يصبر مفعوله المقدر قدمه لأنه على الحقيقة وأما على الثاني « 3 » فبمعنى العلم أي عليما بالصواب الخ إذ الصواب ليس من المبصرات وعند الجمهور البصر صفة أخرى مغاير لصفة العلم قيل وارتباط هذا بما قبله لأن جعلهم آكلين ماشين لا ملائكة للابتلاء وهذا لا ينافي إن عدم جعلهم ملائكة لعدم قوله : أو حث عليهم الصبر على ما افتتنوا به افتتنوا على لفظ المبني للفاعل يقال افتتن الرجل وفتن فهو مفتون إذا أصابته فتنة .
--> ( 1 ) لا بمعنى حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه . ( 2 ) إذ الفتنة هنا بمعنى المحنة والأذية وما في النظم بمعنى الابتلاء ومعاملة الامتحان ولا يبعد أن يحمل على ما في النظم . ( 3 ) والزمخشري اكتفى بالمعنى الثاني وأصاب المص في زيادة المعنى الأول وترجيحه .